عبد الوهاب الشعراني
702
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقد روى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللّبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السّماء من شرب منه لم يظمأ أبدا » . زاد في رواية للطبراني والبزار بعد قوله : « أبيض من اللّبن وأحلى من العسل وأبرد من الثّلج » واللّه تعالى أعلم . [ الترهيب من التسبب في بنيان دركات في النار ولو قدر مفحص قطاة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نبني لنا في دركات النار مسكنا ولو قدر مفحص قطاة ، وذلك لا يكون إلا بتركنا فعل جميع ما نهانا اللّه عنه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم في الكتاب والسنة من كبائر وصغائر . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به حتى يطلعه على مراتب القيامة ، ويعرف ما يمشي هناك من الأعمال وما لا يمشي فيتركه هنا حتى لا يبقى له بناء إلا في الجنة ، وأما والعياذ باللّه المذنب من العصاة فإنه لا يزال يبني في النار الدركات بأعماله حتى ينتهي عمره فيقال له ادخل دارك التي بنيتها . وقد أنشد الشيخ محيي الدين بن العربي في ذلك : النّار منك وبالأعمال توقدها * كما بصالحها في الحال تطفيها فأنت بالطّبع منها هارب أبدا * وأنت في كلّ حال منك تنشيها أما لنفسك عقل في تصرّفها * وقد أتيت إليها اليوم تبنيها إلى آخر ما قال ، فلا تلم يا أخي إلا نفسك ، فإن جميع ما أعد لك في جهنم من حميم وزمهرير وحيات وعقارب ومقامع وغير ذلك إنما هو من فعلك بجوارحك كما تعرفه إذا دخلت النار والعياذ باللّه على التعيين ، وتعرف جميع الأعمال التي استحالت نارا أو عقربا أو حية أو كلبا ونحو ذلك على اليقين ، وتعلم هناك يقينا أنها كلها عملك ، لم يشاركك فيها أحد ، وغالب أمر إبليس أنه نفذ ما رأى نفسك مالت إليه لا غير ، لأن النفس كلسان الميزان وإبليس جالس بالمرصاد لك ينظر ما تميل إليه نفسك ، فبمجرد ما يخرج لسان الميزان وتميل إلى فعل معصية من المعاصي الظاهرة والباطنة يجيء إبليس ينفذ ذلك ، وما دام لسان الميزان لم يخرج من الفك فليس لإبليس على العبد سبيل لأنه إما معصوم أو محفوظ في حضرة اللّه عز وجل ، وأهل الحضرة ليس له عليهم سبيل ويؤيد ما قلناه خطبته لعنه اللّه في النار حين يقول : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [ إبراهيم : 22 ] . أي وما كان لي عليكم من سلطان قبل أن تميلوا وتخرجوا عن فك الميزان إلى جانب المعصية والشقاء ، فلما ملتم دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ، فإني ما أملتكم ولوموا أنفسكم حيث ملتم قبلي ، وهذا التفسير بلسان أهل الإشارة ، وهو كلام مقبول مفهوم إن شاء اللّه تعالى . واعلم يا أخي أن المطيعين الصرف لا بناء لهم في النار قط ، لعصمتهم أو حفظهم ،